المناوي

362

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

وقطّاع طريق الهدى . قلت : ومتى يعرف العبد طريق الهدى ؟ قال : إذا هرب إلى ربّه من كلّ شيء سواه ، واشتغل بذكره عن ذكر من سواه . وأخرج تاج الإسلام السّمعانيّ بإسناده عنه ، قال : هبطت واديا ، فإذا أنا براهب قد حبس نفسه في بعض غبرانه « 1 » فراعني ذلك وقلت : أجنّيّ أم إنسيّ ؟ قال : وفيم الخوف من غير اللّه ؟ لست بجنّي ، ولكنّي إنسيّ مغرور . قلت : ومنذ كم أنت هنا ؟ قال : منذ أربع وعشرين سنة . قلت : فمن أنيسك ؟ قال : الوحش . قلت : وما طعامك ؟ قال : نبات الأرض . قلت : فما تشتاق إلى النّاس ؟ قال : منهم هربت . قلت : أفعلى الإسلام أنت ؟ قال : ما أعرف غيره ، إلّا أنّ المسيح أمرنا في الكتب بالعزلة عند فساد النّاس « 2 » . وقال : رأيت امرأة بالبحرين تنشج على الآخرة « 3 » نشيجا كلّما نشجت قلت : نفسها خرجت ، فحرصت أن أجاريها في شيء من الخير فلم أقدر ، فكان أوّل ما حفظت عنها وآخره : تشاغل أيّها المرء بنفسك ، فما هممت قطّ بموعظة أعظ بها غيري إلّا حال تقصيري بيني وبينها ، ولو كان المرء لا يعظ حتّى يتّعظ أمكن إبليس من نفسه ، يقوده حيث شاء ، واللّه ما أنا بحامدة لنفسي في ذلك ، ويودّ إبليس أنّه لو قدر على ذلك من جميع الخلق ، كما قدر عليه منّي ، فلم يكن أحد على طاعة اللّه ، لكن مر بالبرّ ، وإن لم تفعله ، واحذر أن تنهى عن الشرّ وتأتيه . وكان يجلس إليه ناس من قريش ، فقالوا له يوما : إنّا نخاف الضّيعة ، فرفع رأسه للسّماء وقال : اللّهمّ ، أسألك باسمك المرتفع الذي تكرم « 4 » به من شئت من أوليائك ، وتلهمه الصّفيّ « 5 » من إحسانك ، أن تأتينا برزق من لدنك تقطع به علائق الشّيطان من قلوبنا وقلوب أصحابنا هؤلاء ؛ فأنت الحنّان والمنّان ،

--> ( 1 ) الغبرة : الأرض الكثيرة الشجر . متن اللغة ( غبر ) . ( 2 ) الخبر من ( أ ) فقط . ( 3 ) في ( ب ) و ( ف ) : الأخيرة . ( 4 ) في ( ف ) : تكلم . ( 5 ) في المطبوع : الصفاء .